18 تشرين الأول
القديس لوقا الإنجيلي: الطبيب الحبيب، والرفيق الأمين، وكاتب وداعة المسيح الإنجيلي الثالث، وكاتب سفر أعمال الرسل، ورسول الرحمة والخلاص الشامل طبيبٌ شفى الأجساد، وإنجيليٌّ أعلن شفاء النفوس
ليست كل العيون التي رأت المسيح قد تركت لنا شهادة مكتوبة عنه، وليست كل القلوب التي أحبته استطاعت أن تصوغ محبتها كلماتٍ تعبر القرون. لكن القديس لوقا امتلك نعمةً فريدة: قلب الطبيب الذي يشعر بآلام الإنسان، وعقل المؤرخ الذي يتحرى الأخبار، وروح المبشر الذي يكتشف في يسوع المسيح وجه رحمة الله المشرق. لقد حمل قلمه ليخبرنا عن الرب الذي اقترب من المرضى والخطاة والفقراء والمهمشين، وعن الذي لم يأتِ ليدين الإنسان، بل ليطلب ما قد هلك ويخلّصه. وإذا كان الإنجيليون الأربعة قد قدموا لنا صورة المسيح من زوايا متكاملة، فإن لوقا يبرز بصورة خاصة يسوع الرحيم، الذي يفتح ذراعيه للعائدين، ويبحث عن الضائعين، ويمنح الرجاء لمن ظنوا أن أبواب السماء قد أُغلقت في وجوههم.
إننا حين نقرأ إنجيل لوقا لا نلتقي فقط بأحداث حياة يسوع وموته وقيامته، بل ندخل إلى عالمٍ تتجاور فيه الدموع والفرح، والخطيئة والتوبة، والفقر والغنى، والرفض والقبول، حتى نكتشف أن قلب الله أوسع من تصوراتنا، وأن الخلاص عطية موجهة إلى جميع البشر. وحين ننتقل إلى سفر أعمال الرسل، نرى هذا الخلاص يخرج من أورشليم، ويعبر حدود الشعوب والثقافات، حتى يصل إلى روما، عاصمة الإمبراطورية. هكذا أصبح لوقا طبيبًا للنفوس، ومؤرخًا لبدايات الكنيسة، وشاهدًا على أن الإنجيل ليس حكايةً من الماضي، بل حياةٌ تستمر في العالم بقوة الروح القدس.
الميلاد والنشأة في أنطاكية
وُلد القديس لوقا، بحسب التقليد المسيحي، في مدينة أنطاكية السورية، إحدى أهم مدن العالم القديم ومراكز الثقافة الهلنستية، حيث امتزجت الحضارات واللغات والتقاليد. وكان من خلفية أممية، أي إنه لم يكن يهوديًا بحسب ما يرجحه التقليد، بل نشأ في محيط ثقافي يوناني أتاح له معرفة واسعة باللغة والأدب وأساليب التفكير السائدة في عصره. وقد ساعدته هذه الخلفية لاحقًا على صياغة إنجيله بلغة يونانية راقية، وعلى مخاطبة القراء القادمين من الأمم، الذين كانوا يتوقون إلى فهم الإيمان المسيحي بعيدًا عن الحواجز الثقافية والعرقية.
كانت أنطاكية في ذلك الوقت مدينةً حيوية، تعج بالتجار والمسافرين والفلاسفة وأصحاب المهن، كما أصبحت من المراكز المهمة للكنيسة الأولى. ويذكر سفر أعمال الرسل أن التلاميذ دُعوا مسيحيين أولًا في أنطاكية (أعمال الرسل 11: 26). ومن هنا يمكن أن نفهم أهمية البيئة التي نشأ فيها لوقا؛ فقد عاش في مدينة كانت تلتقي فيها شعوب كثيرة، وتُطرح فيها أسئلة عن الحياة والموت والحقيقة والإله. وفي هذا المناخ، تهيأت شخصيته لتكون قادرة على الحوار مع ثقافات متنوعة، وهي قدرة ستظهر بوضوح في كتاباته التي تؤكد أن بشارة المسيح تتجاوز الحدود القومية لتصل إلى كل إنسان.
الطبيب الحبيب الذي رأى الإنسان في ضعفه
لم يكن لوقا مجرد رجل مثقف، بل كان طبيبًا، وهي مهنة تتطلب معرفةً بالجسد البشري، وصبرًا على المرضى، وقدرةً على ملاحظة الأعراض وفهم أسباب الألم. ويؤكد التقليد المسيحي هذه المهنة، مستندًا إلى شهادة القديس بولس الرسول في رسالته إلى أهل كولوسي: «يسلّم عليكم لوقا الطبيب الحبيب» (كولوسي 4: 14). إن وصف بولس له بأنه «الطبيب الحبيب» يكشف عن تقدير شخصي عميق، ولا يقتصر على الإشارة إلى مهنته؛ فكلمة «الحبيب» تعكس مكانته في قلب الرسول، بوصفه رفيقًا موثوقًا وشخصًا عزيزًا.
ومن الجميل أن نتأمل كيف انعكست خبرة لوقا الطبية على نظرته إلى الإنسان. فالطبيب يلتقي بالإنسان في لحظات ضعفه، حين لا تنفعه مظاهره الخارجية ولا مكانته الاجتماعية، بل يحتاج إلى من يسمع أنينه ويهتم بوجعه. وفي إنجيل لوقا نجد اهتمامًا واضحًا بالمرضى والمحتاجين، وبالذين يحملون جراحًا جسدية أو نفسية أو روحية. ومع ذلك، لا ينبغي أن ننسب كل تفصيل في إنجيله إلى مهنته الطبية وحدها؛ فالأمر الأهم هو أن خبرته الإنسانية انسجمت مع رسالته المسيحية، فأعلن أن الله لا يتجاهل ضعف البشر، بل يقترب منهم ويمنحهم الشفاء والكرامة والرجاء. ولعل لقب «الطبيب الحبيب» يلخص جانبًا أساسيًا من شخصيته: معرفةٌ لا تتكبر، وخبرةٌ لا تتحول إلى قسوة، وعلمٌ يجد معناه الحقيقي في خدمة الإنسان. لقد عرف أن شفاء الجسد أمر ثمين، لكنه اكتشف في المسيح الطبيب الأعظم الذي يلمس أعماق القلب، ويحرر الإنسان من الخوف واليأس، ويعيد إليه القدرة على بدء حياة جديدة.
كيف تعرّف لوقا إلى المسيح؟
لا يخبرنا الكتاب المقدس بالتفصيل عن اللحظة التي آمن فيها لوقا بالمسيح، ولا يحدد بدقة متى وكيف التقى بالرسول بولس للمرة الأولى. وتذكر بعض التقاليد أنه تعرّف إلى الإيمان المسيحي في أنطاكية، المدينة التي ازدهرت فيها الجماعة المسيحية منذ الأيام الأولى للكرازة. أما سفر أعمال الرسل فيكشف لنا عن ارتباطه الوثيق بالرسول بولس، وعن تحوّل حياته من ممارسة الطب إلى خدمة الإنجيل، دون أن يعني ذلك بالضرورة أنه ترك كل عمل طبي؛ فالنص الكتابي لا يقدم تفاصيل كاملة عن ممارسته للمهنة بعد إيمانه.
كان اعتناق المسيحية في تلك المرحلة قرارًا يتطلب شجاعةً وإيمانًا؛ فالكنيسة كانت لا تزال في بداياتها، والرسل ينتقلون من مدينة إلى أخرى، حاملين رسالةً لم تكن مألوفة لدى كثيرين، ومواجهين الرفض والاضطهاد والمخاطر. وفي هذا العالم المضطرب، وجد لوقا في شخص يسوع المسيح جوابًا عن أسئلة الإنسان العميقة، وفي جماعة المؤمنين عائلةً روحية تجمعها المحبة والإيمان والرجاء. ولم يكتفِ بأن يكون مستمعًا للبشارة، بل أصبح واحدًا من الذين حملوها إلى الآخرين، مستخدمًا مواهبه الفكرية واللغوية والإنسانية في خدمة الكنيسة.
الرفيق الأمين للرسول بولس
ارتبط اسم القديس لوقا ارتباطًا وثيقًا بالقديس بولس الرسول، حتى إن رسائل بولس تذكره بين معاونيه. ففي رسالته إلى فليمون، يرسل بولس تحيات لوقا، الذي يصفه ضمن العاملين معه (فليمون 24). وفي رسالته الثانية إلى تيموثاوس، يقول بولس وهو يتحدث عن وحدته في السجن: «لوقا وحده معي» (٢ تيموثاوس 4: 11). وهذه الكلمات القصيرة تحمل في طياتها شهادة مؤثرة عن أمانة لوقا؛ فحين تراجع الآخرون أو ابتعدوا، بقي هو إلى جانب الرسول في وقت الضيق. رافق لوقا بولس في بعض رحلاته التبشيرية، وشارك في خدمة الكنيسة الناشئة، ويظهر حضوره بوضوح في سفر أعمال الرسل عندما ينتقل الكاتب من الحديث عن بولس ورفاقه بصيغة الغائب إلى استعمال ضمير المتكلم الجمع، مثل «أبحرنا» و«ذهبنا». ويرى كثير من الباحثين أن هذه المقاطع تشير إلى أن كاتب السفر كان حاضرًا في بعض الأحداث التي يرويها. وهكذا لم يكن لوقا مؤرخًا يجمع الأخبار من بعيد فحسب، بل كان مشاركًا في جانب من الرحلات التي سجلها، وشاهدًا على مشقات السفر والتبشير وتأسيس الجماعات المسيحية. وتروي أعمال الرسل رحلة بولس إلى أورشليم، ثم احتجازه في قيصرية، وانتقاله أخيرًا إلى روما. وقد امتدت فترة احتجاز بولس في قيصرية نحو سنتين، بحسب أعمال الرسل 24: 27، لكن الكتاب المقدس لا يذكر صراحةً أن لوقا بقي معه طوال تلك الفترة. ومع ذلك، فإن استمرار رفقته لبولس في مراحل من رسالته، ووجوده معه في أوقات الشدة، يجعلاننا نتأمل في قيمة الصداقة الروحية التي لا تقوم على المنفعة، بل على الأمانة والمشاركة في الرسالة. كان بولس رسولًا عظيمًا، لكنه لم يكن معزولًا عن الحاجة إلى الرفقة والتشجيع. وهنا تظهر عظمة لوقا: لم يسعَ إلى أن يكون في مقدمة المشهد، ولم يحاول أن ينافس معلمه في الشهرة، بل خدمه بأمانة، وسانده في العمل، ورافقه في الألم. لقد أدرك أن الكنيسة لا تُبنى بالمتكلمين وحدهم، بل أيضًا بالذين يثبتون إلى جانبهم، ويعتنون بهم، ويواصلون الخدمة حين تشتد المحن.
إنجيل لوقا… كتاب الرحمة والرجاء
كتب القديس لوقا إنجيله باللغة اليونانية، ووجّهه إلى رجل يدعى ثاوفيلس، يبدأ مخاطبته بقوله: «أيها العزيز ثاوفيلس» (لوقا 1: 3). ويبدو أن غايته كانت تثبيت القارئ في الإيمان الذي تلقّاه، وذلك من خلال عرض منظم للأحداث المتعلقة بيسوع المسيح. ويشرح لوقا في مقدمة إنجيله أنه تتبع الأمور من بدايتها، واستند إلى ما نقله شهود العيان وخدام الكلمة، ثم كتب روايته بترتيب يساعد القارئ على إدراك حقيقة التعليم الذي وصل إليه (لوقا 1: 1-4). وهذه المقدمة تكشف جانبًا مهمًا من شخصيته: فهو لا يقدم كتابه باعتباره خواطر شخصية، بل شهادة إيمانية تستند إلى البحث والتدقيق والتقليد الذي تسلمته الكنيسة الأولى. وقد استخدم لغةً يونانية رفيعة، وأظهر قدرة أدبية واضحة في تصوير الشخصيات والمواقف والحوار. ومن هنا اشتهر إنجيله بجمال أسلوبه ودفء روايته، حتى إن الشاعر الإيطالي دانتي أليغييري وصفه بأنه «كاتب وداعة المسيح»، وهي عبارة تلخص بصورة بديعة ما يميز إنجيله من إبراز رحمة يسوع وحنانه وقربه من الإنسان.
إنجيل يفتح أبواب الخلاص للجميع
من السمات الأساسية في إنجيل لوقا تأكيد أن الخلاص الذي جاء به المسيح ليس حكرًا على شعب أو فئة اجتماعية، بل هو عطية الله الموجهة إلى جميع البشر. فمنذ بداية الإنجيل، يعلن سمعان الشيخ أن الطفل يسوع هو «نور إعلان للأمم» (لوقا 2: 32). وفي رواية نسب المسيح، يمتد النسب إلى آدم، أبي البشرية كلها، في إشارة إلى أن رسالة يسوع تتصل بمصير الإنسان بأسره، لا بجماعة واحدة فحسب.
ويبرز هذا البعد أيضًا في اهتمام لوقا بالسامريين، وبالنساء، وبالفقراء، وبالعشارين والخطاة، وبأولئك الذين كانوا يُدفعون إلى هامش المجتمع. ففي إنجيله لا يُقاس الإنسان بمكانته أو ماضيه، بل بمدى استعداده لقبول نعمة الله والعودة إليه. ولذلك نلتقي بيسوع الذي يقترب من المنبوذين، ويصغي إلى صراخ المحتاجين، ويعيد إلى المهمشين كرامتهم، معلنًا أن رحمة الآب أوسع من الأحكام البشرية.
يسوع الذي يبحث عن الضائعين
من أجمل الأمثلة على هذه الرحمة الأمثال التي ينفرد لوقا بروايتها، ومنها مثل الخروف الضال، ومثل الدرهم المفقود، ومثل الابن الضال، أو الابن الذي عاد إلى أبيه (لوقا 15). وفي هذه الأمثال الثلاثة نكتشف قلب الله الذي لا يكتفي بانتظار الخاطئ، بل يفرح بعودته، ويبحث عن الضائع، ويستقبل التائب بالمحبة.
في مثل الابن الضال، لا يصوّر لوقا الأب بوصفه قاضيًا ينتظر عودة ابنه ليعاقبه، بل أبًا يراه من بعيد فيركض إليه ويعانقه ويقبّله. إن الأب لا يبرر خطيئة ابنه، لكنه لا يسمح للخطيئة أن تكون الكلمة الأخيرة في علاقته به. وهذه هي الرسالة الروحية العميقة: التوبة ليست مجرد شعور بالذنب، بل عودة إلى بيت المحبة، حيث يجد الإنسان بابًا مفتوحًا وقلبًا مستعدًا للمصالحة. كما يروي لوقا مثل السامري الصالح (لوقا 10: 25-37)، الذي يعلّمنا أن القريب ليس فقط من ينتمي إلى جماعتنا أو يشبهنا، بل هو الإنسان الذي يحتاج إلى رحمتنا. فالسامري، الذي كان ينظر إليه كثيرون بعين الشك، يصبح مثالًا للمحبة العملية، بينما يعبر آخرون الطريق دون أن يتوقفوا. وبذلك يطرح الإنجيل سؤالًا لا يزال يتردد في ضمير كل مؤمن: ليس المهم فقط أن نعرف وصية المحبة، بل أن نتحول إلى أشخاص يترجمونها إلى أفعال.
الغفران حتى في ساعة الصليب
يبلغ إنجيل لوقا ذروة رسالته عن الرحمة في مشهد الصلب. ففي وسط الألم والإهانة، ينقل لنا صلاة يسوع من أجل الذين يصلبونه: «يا أبتاه، اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون» (لوقا 23: 34). كما يروي لقاء يسوع بأحد اللصين المصلوبين معه، الذي اعترف بذنبه وطلب أن يذكره الرب متى جاء في ملكوته، فأجابه يسوع بوعد الفردوس (لوقا 23: 39-43). هنا لا تبدو الرحمة فكرةً جميلة تُقال في أوقات الراحة، بل قوةً إلهية تظهر في أقصى درجات الألم. فالمسيح لا يسمح للعنف أن يحوّل قلبه إلى كراهية، ولا يجعل خطايا البشر سببًا للتخلي عنهم. ومن خلال هذين المشهدين، يقدم لوقا رجاءً عظيمًا لكل إنسان يشعر بأنه ابتعد عن الله: ما دام القلب قادرًا على التوبة والالتجاء إلى الرب، يبقى باب الرحمة مفتوحًا.
الصلاة والروح القدس في إنجيل لوقا
يولي إنجيل لوقا اهتمامًا خاصًا بالصلاة، فيظهر يسوع في لحظات مفصلية من رسالته وهو يصلي. يصلي عند معموديته، وقبل اختيار الاثني عشر رسولًا، وعند التجلي، وفي بستان الزيتون. ولا يقدم لوقا الصلاة باعتبارها واجبًا شكليًا، بل باعتبارها علاقة حياة بين الابن والآب، ومصدرًا للقوة والتمييز والأمانة في إتمام الرسالة.
كما يحتل الروح القدس مكانة بارزة في إنجيله؛ فمنذ البشارات المتعلقة بميلاد يوحنا المعمدان ويسوع، وحتى بداية خدمة المسيح العلنية، يعمل الروح القدس في حياة الأشخاص والأحداث، ويهيئ الطريق لتحقيق وعود الله. ويعلن يسوع في مجمع الناصرة أن روح الرب عليه، لأنه مسحه ليبشر المساكين، وينادي للمأسورين بالإطلاق، وللعميان بالبصر، ويرسل المنسحقين في الحرية (لوقا 4: 18). وهكذا يربط لوقا بين حضور الروح القدس وبين رسالة التحرير والشفاء وإعلان سنة نعمة الرب.
ومن اللافت أن لوقا يربط الصلاة أيضًا بالثقة في صلاح الآب. ففي تعليمه عن الصلاة، يشجع التلاميذ على المثابرة في الطلب، ويؤكد أن الآب السماوي يعطي الروح القدس للذين يسألونه (لوقا 11: 13). وبذلك لا تكون الصلاة وسيلة لإجبار الله على تنفيذ رغباتنا، بل انفتاحًا على عطاياه، واستعدادًا لأن يقودنا روحه إلى الحياة التي يريدها لنا.
مريم العذراء في إنجيل لوقا
يحتل حضور العذراء مريم مكانة مميزة في الفصول الأولى من إنجيل لوقا. فهو يروي بشارة الملاك جبرائيل لها، وقبولها دعوة الله، وزيارتها لقريبتها أليصابات، وميلاد يسوع في بيت لحم، ثم تقدمة الطفل إلى الهيكل ولقاء سمعان الشيخ وحنة النبية. وفي هذه الروايات نرى مريم امرأة الإيمان التي تصغي إلى كلمة الله وتقبلها بحرية، حتى حين لا تستطيع أن تفهم منذ البداية كل ما تحمله الدعوة من أسرار.
وعندما يقول الملاك لها: «الروح القدس يحل عليك، وقوة العلي تظللك» (لوقا 1: 35)، يربط الإنجيل بين حدث التجسد وعمل الله الخلاصي. أما جواب مريم: «هوذا أنا أمة الرب، فليكن لي كقولك» (لوقا 1: 38)، فيكشف عن قلبٍ يضع حياته بين يدي الله، لا لأنه يعرف كل تفاصيل الطريق، بل لأنه يثق في أمانته.
ومن أجمل المشاهد لقاء مريم بأليصابات، حين تنطلق مريم إلى زيارة قريبتها، فيتحول اللقاء إلى تسبيح وفرح. وتنشد مريم نشيد التعظيم، المعروف باسم «تعظم نفسي الرب» (لوقا 1: 46-55)، وهو نشيد يعلن أن الله يرفع المتواضعين، ويشبع الجياع، ويذكر رحمته من جيل إلى جيل. إنه ليس مجرد نشيد شخصي، بل إعلان عن انقلاب المقاييس البشرية في ملكوت الله؛ فالعظمة الحقيقية لا تقوم على السيطرة، بل على التواضع والثقة بالله. ويذكر لوقا أيضًا أن مريم كانت تحفظ هذه الأمور وتتأملها في قلبها (لوقا 2: 19، 51). إنها صورة عميقة للإيمان الذي لا يتسرع في تفسير كل ما يحدث، بل يحتفظ بكلمة الله في الداخل، ويتركها تنضج في الصلاة والتأمل. ومن المهم هنا توضيح أن رواية الهرب إلى مصر وردت في إنجيل متى، لا في إنجيل لوقا؛ أما لوقا فيركز على البشارة والزيارة والميلاد والتقدمة إلى الهيكل والطفل يسوع في الهيكل وهو في الثانية عشرة من عمره.
إنجيل يفرح بالفقراء ويكرم النساء
من الملامح اللافتة في إنجيل لوقا اهتمامه بالفقراء والمحتاجين، وتأكيده مسؤولية الإنسان تجاه المال والثروة. ففي التطويبات، يعلن يسوع الطوبى للمساكين، ويقابلها بتحذير للأغنياء الذين يكتفون بما لديهم دون أن يشعروا بحاجة الآخرين (لوقا 6: 20-26). كما يروي مثل الغني ولعازر، الذي يكشف خطورة اللامبالاة أمام ألم الفقير القابع عند الباب (لوقا 16: 19-31).
لا يعني ذلك أن الفقر وحده يخلّص الإنسان أو أن الغنى في ذاته إدانة، بل إن لوقا يدعونا إلى اكتشاف علاقتنا الحقيقية بما نملك، وإلى ألا يتحول المال إلى جدار يفصلنا عن الله وعن إخوتنا. فالثروة تصبح بركة عندما تُستخدم في خدمة الحياة، لكنها تتحول إلى عبء روحي عندما تجعل صاحبها أسيرًا للأنانية والاكتفاء بالذات.
كذلك يمنح لوقا النساء حضورًا بارزًا في روايته، فيذكر مريم وأليصابات وحنة، ويتحدث عن النساء اللواتي رافقن يسوع وخدمنه من أموالهن، كما يروي لقاءات يسوع بنساء كنّ يعانين المرض أو الحزن أو الرفض الاجتماعي. ومن خلال هذه القصص، يظهر أن المرأة ليست مجرد شخصية هامشية في أحداث الخلاص، بل إنسانة مدعوة إلى الإيمان والتلمذة والشهادة، ولها مكانتها في جماعة المؤمنين.
سفر أعمال الرسل… الإنجيل الذي يواصل رحلته
لم تتوقف رسالة القديس لوقا عند نهاية إنجيله، بل امتدت إلى كتاب ثانٍ هو سفر أعمال الرسل، الذي يشكل تتمةً طبيعية لرواية حياة يسوع. ففي الإنجيل نرى المسيح يعلن ملكوت الله، ويعلّم ويشفي ويموت ويقوم؛ أما في سفر الأعمال فنرى الرسل يواصلون الشهادة له بقوة الروح القدس. وهكذا يقدم الكتابان معًا صورة متكاملة لحركة الخلاص: المسيح هو مركز الرسالة، والروح القدس يقود الكنيسة، والرسل شهود القيامة في العالم.
يبدأ سفر الأعمال من أورشليم، حيث ينتظر التلاميذ وعد الآب، ثم يحل الروح القدس عليهم يوم العنصرة، فينطلق بطرس لإعلان قيامة المسيح، وتبدأ جماعة المؤمنين في النمو. ويعرض لوقا حياة الكنيسة الأولى، التي كانت تواظب على تعليم الرسل والشركة وكسر الخبز والصلوات (أعمال الرسل 2: 42). لم تكن هذه الجماعة بلا صعوبات، فقد واجهت الاضطهاد والخلافات والتحديات الداخلية، لكنها تعلمت أن رسالتها لا تقوم على قوتها البشرية، بل على حضور الروح القدس وعمل الله فيها.
ثم ينتقل السرد إلى انتشار البشارة خارج أورشليم، وإلى قبول السامريين، واهتداء كرنيليوس، وهو قائد أممي، وما مثّله ذلك من تحول مهم في فهم الكنيسة لشمول الخلاص. ويأتي مجمع أورشليم ليعالج قضية انضمام المؤمنين من الأمم، مؤكدًا أن الدخول إلى جماعة المسيح لا يتطلب أن يصبح الإنسان يهوديًا أولًا. ومن خلال هذه الأحداث، يبين لوقا أن الإنجيل يتجاوز الحواجز الثقافية والدينية والاجتماعية، وأن الله يفتح أبواب الإيمان لكل من يقبل نعمته.
رحلات بولس حتى الوصول إلى روما
يخصص سفر أعمال الرسل مساحة كبيرة لرسالة بولس الرسول، فيروي رحلاته التبشيرية، وتأسيسه جماعات مسيحية في مدن مختلفة، ومواجهته المقاومة والاضطهاد، ودفاعه عن إيمانه أمام السلطات. ويظهر لوقا كيف تحولت رسالة بولس من كرازة في مناطق شرقي البحر المتوسط إلى شهادة تصل في النهاية إلى روما، قلب الإمبراطورية الرومانية.
لم تكن الرحلات سهلة؛ فقد تعرض بولس للسجن والضرب والتهديد، وواجه رفضًا في بعض المدن، كما واجه أخطار البحر والعواصف. ويبلغ السرد ذروة درامية في رحلة بولس البحرية إلى روما، حين تضرب العاصفة السفينة ويبدو الهلاك وشيكًا. لكن بولس يشجع من معه، ويعلن ثقته في وعد الله، حتى تنتهي الرحلة بالنجاة والوصول إلى البر. إن هذه الرواية لا تقدم بولس بطلًا لا يعرف الخوف، بل رسولًا يثبت في إيمانه وسط الخطر، ويصبح مصدر رجاء للآخرين.
وينتهي سفر أعمال الرسل بوصول بولس إلى روما وإقامته في منزل مستأجر، حيث يواصل استقبال الناس وإعلان ملكوت الله وتعليم أمور الرب يسوع المسيح بكل جرأة، دون أن يذكر السفر تفاصيل استشهاده أو يروي نهايته. وهذه النهاية المفتوحة تحمل معنى روحيًا مهمًا: فقد انتهى الكتاب، لكن رسالة الإنجيل لم تنتهِ؛ وما بدأه الرسل يستمر في حياة الكنيسة وشهادتها عبر الأجيال.
السنوات الأخيرة ورقاد القديس لوقا
لا يقدم العهد الجديد تفاصيل واضحة عن السنوات الأخيرة من حياة القديس لوقا، ولا يحدد مكان وفاته أو تاريخها على نحو قاطع. ويذكر التقليد المسيحي أنه واصل التبشير بعد رحيل بولس، وأنه خدم الإنجيل في مناطق مختلفة. كما ارتبط اسمه في بعض التقاليد القديمة ببلاد اليونان، حيث يُقال إنه أنهى حياته بعد سنوات من الكرازة. أما تاريخ وفاته، فتذكر بعض السير التقليدية أنه رقد في الرب نحو عام 84 أو 90 للميلاد، لكن هذه التواريخ ليست ثابتة بصورة مؤكدة. وتختلف التقاليد أيضًا بشأن ما إذا كان قد مات موتًا طبيعيًا أم استشهد؛ لذلك من الأدق أن نقول إن الكنيسة حفظت سيرته بوصفه إنجيليًا ورسولًا وشاهدًا أمينًا للمسيح، دون الجزم بتفاصيل لا يقدمها الكتاب المقدس بصورة واضحة.
وما نعرفه على وجه اليقين من رسائل بولس هو أن لوقا كان رفيقًا عزيزًا له، وأنه بقي معه في وقتٍ من أصعب أوقات حياته. أما ما يرويه التقليد عن خدمته بعد ذلك، فيشهد لتقدير الكنيسة المبكر لدوره في إعلان الإنجيل وحفظ شهادة الرسل.
لوقا والرمز الإنجيلي للثور المجنح
في التقليد المسيحي، يُرمز إلى القديس لوقا بالثور المجنح، وهو أحد الرموز الأربعة التي ارتبطت بالإنجيليين في الفن والليتورجيا المسيحيين. وترتبط هذه الرموز بالرؤى الكتابية الواردة في سفر حزقيال وسفر الرؤيا، ثم جرى تفسيرها في التقليد الكنسي بما يتناسب مع خصائص كل إنجيل.
وقد ارتبط الثور بلوقا بسبب افتتاح إنجيله بمشهد زكريا الكاهن وهو يخدم في الهيكل، حيث كانت تقدم الذبائح، ومنها الثيران. ومع تطور الفن المسيحي، أصبح الثور المجنح علامة مميزة في الأيقونات والرسوم التي تصور الإنجيلي، وكثيرًا ما يظهر لوقا جالسًا إلى مكتبه، ممسكًا بالقلم والكتاب، بينما يرافقه الرمز المجنح.
وتُظهر هذه الصورة لوقا كاتبًا وشاهدًا، لا مجرد ناقل للأحداث؛ فهو يجمع الأخبار، ويتأمل معناها، ويقدمها للكنيسة لكي تتعرف إلى المسيح وتعيش من بشارته. وقد أصبح إنجيله وسفر أعمال الرسل من أهم المصادر لفهم حياة يسوع، وبدايات الكنيسة، وانتشار الإيمان في العالم القديم.
ويرتبط اسم لوقا أيضًا بتقليد كنسي قديم ينسب إليه رسم صورة للعذراء مريم. وقد حظي هذا التقليد بشعبية كبيرة في تاريخ الأيقونات المسيحية، لكن لا توجد أدلة تاريخية حاسمة تثبت أنه رسم صورة مريم بيده. ومع ذلك، فإن ارتباط اسمه بالعذراء مفهوم في ضوء ما حفظه إنجيله من تفاصيل عن البشارة والميلاد وحياة مريم الإيمانية.
عيده ومكانته في الكنيسة
تحتفل الكنيسة بذكرى القديس لوقا الإنجيلي في الثامن عشر من أكتوبر. وتكرمه بوصفه أحد الإنجيليين الأربعة، وكاتب سفر أعمال الرسل، ورفيق الرسول بولس في الرسالة. كما أصبح شفيعًا للأطباء في تقاليد مسيحية كثيرة، نظرًا إلى مهنته التي يذكرها بولس صراحةً في رسالته إلى أهل كولوسي.
وتحمل سيرته رسالة خاصة للعاملين في مجالات الطب والتمريض والرعاية الصحية، ولكل من يخدم الإنسان في لحظات ضعفه. فهي تذكرهم بأن المعرفة والخبرة لا تكتملان إلا حين تقترنان بالرحمة واحترام كرامة الإنسان. كما تقدم مثالًا لكل من يكتب أو يعلّم أو يبحث: أن يستخدم موهبته لا لتمجيد ذاته، بل لخدمة الحقيقة وبناء الآخرين. أما للكنيسة كلها، فيبقى لوقا شاهدًا على أهمية حفظ الذاكرة المسيحية ونقلها بأمانة. لقد جمع بين الإيمان والبحث، وبين الخدمة والكتابة، وبين الصحبة الشخصية والشهادة الواسعة. ولم يكن حضوره صاخبًا أو متصدرًا، لكن أثره امتد عبر القرون من خلال إنجيله وسفر أعمال الرسل، اللذين لا تزال الكنيسة تقرأهما وتتأمل فيهما وتستمد منهما الرجاء.
قلمٌ كتب الرحمة، وحياةٌ شهدت للأمانة
إن القديس لوقا يعلّمنا أن الله يستطيع أن يستخدم مواهب الإنسان المتنوعة في خدمة ملكوته. فقد استخدم لوقا ثقافته ولغته وخبرته الطبية، ثم حوّلها إلى أدوات للشهادة للمسيح. وبقلمه حفظ لنا أمثالًا تفتح أبواب الرجاء، ومشاهد تكشف رحمة الله، وأحداثًا ترسم بدايات الكنيسة وهي تنطلق بقوة الروح القدس إلى العالم.
لقد كان طبيبًا يهتم بالإنسان، ورفيقًا لم يترك الرسول بولس في وحدته، وإنجيليًا نقل شهادة المسيح إلى أجيال لم تكن قد رأته بالجسد. وفي كل ذلك، يذكّرنا بأن القداسة ليست حكرًا على أصحاب الأدوار الظاهرة، بل تنمو أيضًا في الأمانة اليومية، وفي الخدمة الهادئة، وفي استعمال المواهب بمحبة. وما زال إنجيله يدعونا إلى أن نكون مثل السامري الصالح، وأن نستقبل العائدين مثل الأب الرحيم، وأن نؤمن بأن الله لا يكف عن البحث عن الإنسان حتى يجده ويعيده إلى الحياة.
صلاة
أيها القديس لوقا الإنجيلي، يا طبيب النفوس والأجساد، ورفيق الرسول بولس الأمين، تشفّع من أجلنا لدى الرب يسوع، لكي يمنحنا قلبًا رحيمًا، وإيمانًا ثابتًا، ومحبةً صادقة للفقراء والمتألمين. علّمنا أن نستخدم مواهبنا لخدمة الإنجيل، وأن نشهد لرحمة الله بالكلمة والعمل، حتى يعرف جميع البشر أن المسيح هو رجاؤهم وخلاصهم. آمين.
#إعـداد الأب وليـم عبـد المسيح سعيـد – الفرنسيسكانـي






Users Today : 11
Users Last 7 days : 33
Users Last 30 days : 186
Users This Year : 1277
