العذراء مريم التي تحلُّ العقد

28 أيلول

مريم العذراء «التي تحلّ العُقَد»: أمٌّ تضع فوضى حياتنا بين يديها وتفتح للرجاء طريقًا

في حياة كل إنسان خيوط تتشابك بمرور الأيام؛ خيط من حزنٍ قديم، وآخر من خوفٍ لا يريد أن يرحل، وثالث من علاقةٍ انكسرت، ورابع من مشكلةٍ استعصت على الحل، وربما عقدةٌ في القلب لا يعرف صاحبها كيف يفكها مهما حاول. وقد يصل الإنسان إلى لحظة يشعر فيها أن حياته أصبحت كالشريط الطويل الذي تراكمت فيه العقد، فلم يعد يعرف أي طرفٍ يمسك، ولا من أين يبدأ. وفي مثل هذه اللحظات تبرز أمام المؤمن صورة مملوءة بالحنان والرجاء: مريم العذراء «التي تحلّ العُقَد»، أمٌّ تقف بين السماء والأرض، تمسك بيديها شريطًا امتلأ بالتشابك، وتنحني برفق فوق عقده، وكأنها تقول لكل إنسان متعب: لا تخف، سلّم لي ما عجزت عن ترتيبه، وأنا أحمله معك إلى المسيح. ومن هنا نشأ أحد أجمل الإكرامات المريمية المرتبطة بصورة فنية شهيرة موجودة في مدينة أوغسبورغ الألمانية؛ وهي صورة لمريم لا تقدّمها باعتبارها مصدر الخلاص المستقل، بل باعتبارها الأم التي تقود الإنسان إلى ابنها، وترافقه في الطريق، وتصلي معه ومن أجله، وتحمل عقد حياته أمام رحمة الله. وقد انتشر هذا الإكرام في بلدان كثيرة، ولا سيما في أميركا اللاتينية، ثم اتسع انتشاره عالميًا.

لوحة وُلدت من الألم… وصارت بابًا واسعًا للرجاء

يقوم هذا الإكرام على لوحة زيتية باروكية أنجزها الرسام الألماني (يوهان جورج مِلخيور شميترنر) Johann Georg Melchior Schmidtner نحو سنة 1700، وتُحفظ اليوم في كنيسة St. Peter في أوغسبورغ. وتذكر أبرشية أوغسبورغ أن الكاهن (هيرونيموس أمبروسيوس لانغينمانتل) Hieronymus Ambrosius Langenmantel  هو الذي أسهم في إنشاء المذبح الذي وُضعت عليه اللوحة، وأن العمل ارتبط بظرف عائلي حساس يتعلق بأزمة زواج داخل أسرته. وهكذا فإن الصورة لم تولد من خيال فني مجرد، بل خرجت من قلب تجربة إنسانية مؤلمة: بيت مهدد بالتصدع، وأسرة تحتاج إلى المصالحة، وإيمان يرفض أن يستسلم لليأس. ولعل هذا هو سر قدرتها على الوصول إلى القلوب؛ فالإنسان لا يرى فيها مشهدًا فنيًا فحسب، بل يرى ذاته وأوجاعه وأمنياته.

حكاية البيت الذي دخلته العقدة… ثم خرج منه الصلح

ارتبطت خلفية اللوحة بقصة (فولفغانغ فون لانغينمانتل)” Wolfgang von Langenmantel “وزوجته صوفي Sophie، إذ تروي التقليدات المحلية المرتبطة بالعمل أن زواجهما مرّ بأزمة شديدة كادت تقودهما إلى الانفصال. وكان هيرونيموس أمبروسيوس ، وهو كاهن رعية (كنيسة سان بيتر آم بيرلاتش) ، على صلة بهذه الأسرة، فأصبحت مأساة البيت جرحًا يعرفه عن قرب. وفي وسط هذا الاضطراب ظهر دور الكاهن اليسوعي ( يعقوب ريم)  Jakob Rem، الذي ارتبط اسمه بالقصة التقليدية، إذ لجأ الزوج فولفغانغ إليه طالبًا المشورة وسط أزمته الزوجية. وبدلًا من أن يدفعه اليأس إلى اتخاذ قرار نهائي، وُجّه نظره إلى الصلاة وإلى شفاعة مريم، وإلى تسليم ما انغلق في الزواج لله. وهكذا تحولت الأزمة من مجرد مشكلة بشرية إلى مسيرة رجاء، ومن خصومةٍ بين شخصين إلى بحثٍ عن نعمة المصالحة. وتروي الرواية المتداولة أن الصلاة استمرت مرارًا، وأن الزوجين عادا إلى طريق التغيير، حتى تحولت العلاقة التي كانت على حافة الانهيار إلى فرصة جديدة للوفاق.

شريط الزواج… والصورة التي أصبحت موعظة

وتضيف القصة التقليدية المرتبطة باللوحة أن الأب يعقوب ريم حمل أمام مريم شريطًا كان يمثل رمزيًا الحياة الزوجية المتشابكة، وأن الصلاة أمام صورة العذراء ارتبطت بفك العقد وتسوية الشريط. ومن هنا وُلدت الصورة الرمزية التي نراها اليوم: شريط أبيض طويل، تتجمع فيه عقد كثيرة من جهة، ثم يخرج من بين يدي مريم منظمًا ومحررًا من التشابك. وتكمن قوة هذا الرمز في أنه لا يتحدث عن الزواج وحده؛ فما كان عقدة في حياة أسرة قد يصبح، في حياة شخص آخر، مرضًا أو خوفًا أو خصومة أو خطيئة أو جرحًا قديمًا أو طريقًا مسدودًا. ولذلك لم تعد صورة مريم «التي تحلّ العُقَد» حكايةً تخص بيتًا واحدًا، بل أصبحت مرآة لكل إنسان يرى في حياته أشياء لم يعد يستطيع ترتيبها بنفسه. وتذكر أبرشية أوغسبورغ أن الناس يقصدون هذا الإكرام اليوم وهم يحملون مشكلات مختلفة في العلاقات والمرض والعمل والسكن وغيرها.

الأصل اللاهوتي أقدم من اللوحة بقرون كثيرة

لكن صورة مريم وهي تفك العقد ليست فكرة اخترعها الرسام في القرن السابع عشر. فجذورها اللاهوتية تعود إلى فكر القديس اريناوس Irenaeus في القرن الثاني. ففي كتابه (البدع، والهرطقات) Adversus Haereses يضع أمامنا مقارنة بديعة بين حواء ومريم: الأولى دخل منها العصيان، والثانية جاء من طاعتها طريق الخلاص، ولذلك يقول في صياغته الشهيرة إن ما ربطته حواء بعصيانها فكّته مريم بطاعتها وإيمانها. وقد أعاد المجمع الفاتيكاني الثاني هذا التقليد الآبائي في (مرسوم نور الأمم) Lumen Gentium، كما شرحه البابا فرنسيس بوضوح سنة 2013، مؤكدًا أن إيمان مريم وطاعتها فتحا المجال لكي يأتي المسيح إلى العالم، وأنها الأم التي تقودنا بصبر إلى رحمة الله.

حواء ربطت… ومريم أطاعت

هنا يظهر العمق الحقيقي للقب «التي تحلّ العُقَد». فالعقدة الأولى في التاريخ ليست مشكلة اجتماعية ولا مرضًا ولا خصومة بين أشخاص، بل هي عقدة الانفصال عن الله. وفي الفكر المسيحي القديم الذي عبّر عنه القديس اريناوس، تقف حواء ومريم أمامنا كصورتين متقابلتين: هناك «لا» العصيان، وهنا «نعم» الإيمان؛ هناك باب أُغلق في وجه الله، وهنا باب فُتح له؛ هناك إنسان أراد أن يعيش بعيدًا عن الله، وهنا إنسانة سلّمت نفسها لمشيئة الله قائلة: «هوذا أنا أمة الرب». ومن هنا ينبغي ألا نفهم مريم التي تحل العقد وكأنها امرأة سحرية تفك مشكلات الحياة بمجرد طلبها، بل باعتبارها الأم التي تقودنا إلى المسيح، لأن العقدة الجذرية لا تُشفى إلا بنعمة الله. وهذا هو بالضبط البعد الذي شدد عليه البابا فرنسيس حين قال إن مريم تقودنا بيدها إلى «احتضان الآب الرحيم».

امرأة السماء والأرض: مريم في قلب النور

عندما نتأمل اللوحة، نجد مريم في مركز المشهد، في وضع يبدو وكأنها معلقة بين السماء والأرض. فهي ليست منفصلة عن واقع الإنسان، وفي الوقت نفسه ليست أسيرةً له؛ تحمل في شخصها صورة المرأة التي عاشت في العالم بقلب موجّه إلى الله. وفوقها يظهر الروح القدس في هيئة حمامة، وتحيط بها الملائكة، بينما تعمل هي في هدوء شديد على الشريط الذي بين يديها. وهذه التفاصيل ليست مجرد زخارف فنية؛ فاللوحة تريد أن تقول إن عمل النعمة لا يحدث في الظلام، بل في حضرة الله، وإن كل ما تفعله مريم مرتبط بالروح القدس وبالمسيح وبمشروع الخلاص. ولذلك فإن النظر إلى مريم هنا لا ينبغي أن يوقفنا عند مريم، بل أن يفتح أعيننا على الله الذي تعمل نعمته في حياة الإنسان عندما يسلّم نفسه له.

اثنا عشر كوكبًا… ومريم في ملء شعب الله

تظهر مريم مكللة بإكليل من اثني عشر نجمًا، في صورة تستحضر الرموز الكتابية المرتبطة بالمرأة المكللة بالنجوم في سفر الرؤيا. وفي التقليد المسيحي يرتبط الرقم اثنا عشر أيضًا بجماعة إسرائيل وبالرسل، ولذلك يصبح الإكليل علامة على مريم بوصفها أمًا في قلب تاريخ الخلاص، لا مجرد شخصية فردية معزولة عن الكنيسة. إنها المرأة التي دخلت في سر تدبير الله، والتي صار «نعم» ها جزءًا من الطريق الذي جاء منه المسيح، والتي ربطت حياتها كلها بمشيئة الله.

الرداء الأزرق والأحمر… تواضع الأرض ومجد السماء

يرتدي ثوبها ألوانًا قوية تجمع الأزرق والأحمر، وتلتف حولها عباءة واسعة تتحرك كما لو كانت السماء نفسها تهب فيها. الأزرق في الفن المسيحي ارتبط طويلًا بالسماء والوقار والحياة الروحية، بينما يرتبط الأحمر بالحياة والإنسانية والحب والتضحية. ومريم في اللوحة تجمع الأمرين معًا: فهي إنسانة حقيقية عاشت في الزمن، لكنها عاشت هذا الزمن بكامل انفتاحه على الله. إنها ليست بعيدة عن وجعنا؛ فهي عاشت الفقر والانتظار والخوف والألم، ووقفت عند الصليب، وحفظت الأمور كلها في قلبها. لذلك تستطيع أن تكون أمًا حقيقية للمتألمين، لا لأن حياتها كانت بلا عقد، بل لأن حياتها نفسها عبرت من الألم إلى الرجاء.

الحية تحت قدميها… انتصار النعمة على الشر

ومن أقوى الرموز في اللوحة أن مريم تدوس برفق ولكن بثبات على رأس الحية. وهذه الصورة تستدعي منذ الوهلة الأولى وعد سفر التكوين، كما تستحضر في التقليد المسيحي انتصار المسيح على الشر والخطيئة والموت. ولذلك فمريم لا تظهر هنا كمحاربة بقوة بشرية، بل كامرأة مرتبطة بخطة الله، شاركت بطاعتها في تاريخ الخلاص. وعندما نراها تطأ رأس الحية، نتذكر أن الشر مهما بدا متشابكًا وقويًا ليس الكلمة الأخيرة؛ فالمسيح هو المنتصر، والنعمة أقوى من الخطيئة، والرجاء يستطيع أن يمر حتى من الأماكن التي ظننا أنها انتهت إلى الأبد.

الشريط الأبيض… صورة العمر الذي نعيشه

لكن أكثر رموز اللوحة تأثيرًا يبقى ذلك الشريط الطويل الأبيض الذي تتعامل معه مريم بيديها. فهو يشبه حياتنا بصورة مدهشة؛ يبدأ مستقيمًا، ثم تتراكم فيه العقد، بعضها صغير وبعضها شديد التعقيد، وبعضها نتج عن قراراتنا، وبعضها عن أخطاء الآخرين، وبعضها عن ظروف لم نخترها أصلًا. وبين أيدينا نحن كثيرًا ما يتحول الشريط إلى فوضى؛ نشدّه بعنف فنزيد العقد إحكامًا، أو نحاول قطعه فنفقد جزءًا من الحكاية، أو نتركه لأننا فقدنا الأمل. أما مريم فتتعامل معه بهدوء. إنها لا تمزقه، ولا تلقيه بعيدًا، ولا تتعامل مع حياتنا باستخفاف؛ بل تمسكه برفق، وكأن الرسالة تقول: الله لا يريد أن يمحو حياتك، بل أن يحررها.

مريم لا تقطع الشريط… بل تفك العقدة

وهنا يكمن جمال الرمز: مريم لا تقطع الشريط لكي تتخلص من المشكلة، بل تفك العقدة لكي يبقى الشريط متصلًا. يا لها من صورة عميقة! فالله لا يداوي الإنسان غالبًا بإلغاء ماضيه، بل بشفائه؛ ولا يمحو التجربة، بل يخرج منها معنى جديدًا؛ ولا يمزق تاريخ الإنسان، بل يخلّصه من التشابك الذي جعله عاجزًا عن السير. وما كان عقدة بالأمس قد يصبح اليوم درسًا، وما كان جرحًا قد يصبح بابًا للرحمة، وما كان سببًا للدموع قد يتحول إلى مصدر تعاطف مع متألمين آخرين. وهنا تصبح مريم صورة للأم التي تساعد أبناءها على تسليم تاريخهم كله لله.

ملاكان… واحد يحمل الماضي وآخر يعلن الرجاء

على جانبي مريم يظهر ملاكان يمسكان طرفي الشريط؛ أحدهما يحمل الجزء المليء بالعقد، والآخر يتسلم الطرف الذي خرج من يدي مريم محررًا من التشابك. والمشهد في حد ذاته يشبه رحلة الإنسان: هناك ماضٍ مثقل بما عقدناه، وهناك مستقبل نرجوه وقد صار أكثر قابلية للسير. وكأن الملاك الذي يتطلع إلينا يهمس: لا تحدقوا طويلًا في العقد التي تركتموها خلفكم، انظروا إلى ما تستطيع النعمة أن تصنعه. هذه الصورة لا تدعونا إلى إنكار مشكلاتنا، بل إلى رفض أن تتحول مشكلاتنا إلى تعريف نهائي لشخصياتنا.

الملائكة ليست بعيدة عن عالم الإنسان

وتطوق مريم مجموعة من الملائكة، فتبدو السماء وكأنها تشارك في المشهد. والكتاب المقدس يقدّم الملائكة كخدام لله ومرسلين لخدمة الذين يرثون الخلاص؛ ولهذا يحمل حضورهم هنا معنى مواساة ورجاء. السماء ليست بعيدة عن آلام البشر، والله لا يترك الإنسان وحيدًا في معركته. وفي اللوحة يتولد شعور جميل بأن عالم النعمة محيط بنا أكثر مما نتصور، وأن الإنسان عندما يصلّي لا يطلق كلماته في فراغ، بل يرفعها نحو إله يسمع ويقترب ويعمل.

ما الذي تعنيه «العقدة» في حياتنا؟

العقدة قد تكون زواجًا يحتاج إلى المصالحة، أو علاقة عائلية انهارت، أو إنسانًا لم نستطع أن نغفر له، أو خطيئة نعود إليها كل مرة، أو خوفًا من المستقبل، أو مرضًا أثقل القلب، أو فشلًا جعل الإنسان يحتقر نفسه، أو بابًا أغلقه الآخرون في وجهه، أو سؤالًا ظل بلا جواب سنوات طويلة. وقد تكون العقدة أعمق من ذلك كله: أن يكون الإنسان قد فقد السلام الداخلي وصار يعيش ممزقًا بين ما يريد وما يقدر، بين ضميره ورغباته، بين ماضيه ومستقبله. وهنا يصبح إكرام مريم «التي تحلّ العُقَد» صلاةً للرجاء، لا تعويذة سحرية؛ نضع أمامها ما يؤلمنا، ثم نسمح لله أن يعمل بالطريقة التي يعرفها هو.

»اذهب إلى الرب»… هذه هي رسالتها الحقيقية

وقد شرح البابا فرنسيس هذا المعنى بوضوح عندما تحدث عن مريم التي تحل عقد القلب والضمير، مشددًا على أن مريم لا تحلّ العقد بمعزل عن الله، بل تساعد الإنسان على الوثوق برحمة الله، وتقوده إليه. ولذلك فإن أعظم ما يمكن أن تقوله لنا مريم ليس: «اعتمدوا عليّ بدلًا من المسيح»، بل: «اذهبوا إلى الرب». وهذا يتفق تمامًا مع موقفها في قانا الجليل عندما قالت للخدام: «مهما قال لكم فافعلوه»؛ فمريم دائمًا توجه النظر إلى ابنها.

من أوغسبورغ إلى العالم… حكاية صورة انتشرت مع الرجاء

بقيت اللوحة في أوغسبورغ قرونًا، وظل الإكرام المرتبط بها معروفًا بصورة خاصة في المنطقة، ثم اتسع نطاق انتشارها بقوة في العصر الحديث. وكان للبابا فرنسيس دور بارز في انتشار هذه الصورة في أميركا اللاتينية؛ إذ تعرّف إليها في ألمانيا سنة 1986 أثناء وجوده هناك، ثم حمل صورًا منها إلى الأرجنتين، وهناك ازداد الإكرام انتشارًا بصورة واسعة قبل أن يتجاوز القارة إلى بلدان عديدة حول العالم. واليوم أصبحت «مريم التي تحلّ العُقَد» من الصور المريمية التي يلتجئ إليها أشخاص كثيرون وهم يحملون مشكلات الحياة إلى الصلاة.

سر انتشار الإكرام: لأن الإنسان يفهم لغة العقد

ربما كان أحد أسرار انتشار هذه الصورة أن الإنسان الحديث، رغم اختلاف لغاته وثقافاته، يفهم تمامًا معنى «العقدة». فالكل يعرف ماذا يعني أن تكون محاصرًا في مشكلة، أو عاجزًا عن إيجاد مخرج، أو أن تحمل شيئًا لا تستطيع شرحه للآخرين. ولهذا تتحول الصورة إلى لغة عالمية: شريط، عقدة، يد أم، وسماء مفتوحة. إنها لا تحتاج إلى شرح طويل كي تجعل القلب يقول: هذه أنا، وهذه حياتي. ولهذا يقف المؤمن أمام الصورة، وربما لا يجد الكلمات، لكنه يجد نفسه يبكي أو يصلّي أو يذكر اسم إنسان يحبه أو مشكلة يخاف منها، ثم يسلّمها إلى الله.

بين أيدي الأم… اترك ما عجزت عن حله

أحيانًا لا تكون المشكلة أننا لا نعرف الحل، بل أننا نريد أن نكون نحن وحدنا أصحاب الحل. نتمسك بالعقدة، ونشدها أكثر، ونظن أن قوتنا كافية. أما مريم «التي تحلّ العُقَد» فتعلّمنا شيئًا آخر: هناك أوقات يصبح فيها التسليم فعل إيمان. أن تقول لله: هذه المشكلة أكبر مني؛ هذا الجرح لا أستطيع علاجه؛ هذا البيت لا أعرف كيف أصلحه؛ هذا الإنسان لا أعرف كيف أصالحه؛ هذه الخطيئة لا أستطيع وحدي أن أنتصر عليها؛ وهذا المستقبل أخاف منه. ثم تضع كل ذلك بين يدي الله. هنا يبدأ شيء جديد: قد لا تتغير الظروف في اللحظة نفسها، لكن القلب يبدأ في التغير، والإنسان الذي كان غارقًا في الفوضى يبدأ باستعادة السلام، وهذا بحد ذاته بداية لفك العقدة.

أمّ الرحمة… لا أمّ المعجزات السحرية

ومن المهم أن يبقى هذا الإكرام في قلب الإيمان المسيحي الصحيح: مريم ليست مصدر النعمة بدلًا من الله، وليست قوة مستقلة عن المسيح، ولا توجد في الكنيسة عقيدة تقول إن كل من يطلب منها أمرًا سيحصل عليه بالطريقة التي يريدها. مريم هي الأم والشفيعة، وكل عطية حقيقية تأتي من الله. لذلك فإن الصلاة إليها هي صلاة ثقة وشركة، وليست ممارسة سحرية. ومع ذلك، فإن خبرة المؤمنين عبر الأجيال تجعلهم يشعرون بصدق أنها أم قريبة، وأنها تعرف كيف تحمل أبناءها إلى ابنها. وهذا هو المعنى العميق الذي أكدته تعاليم البابا فرنسيس عندما ربط إكرام مريم دائمًا بالثقة في رحمة الله.

عندما تتحول العقدة إلى طريق خلاص

وربما أروع ما في هذه الصورة أن العقدة نفسها لا تكون دائمًا عدوًا يجب التخلص منه بأسرع ما يمكن؛ فقد يستخدم الله بعض التجارب لكي يعمق الإنسان وينضجه. ربما لم نختر المرض، لكننا تعلمنا من خلاله التعاطف. وربما لم نختر الخلاف، لكننا تعلمنا الغفران. وربما لم نختر الفشل، لكنه جعلنا أكثر تواضعًا. وربما مررنا بأيام ظننا أنها نهاية الطريق، فإذا بها تصبح بدايةً جديدة. ولهذا فإن مريم لا تقول لنا فقط: «سأفك العقدة»، بل تعلمنا أيضًا أن نثق في اليد التي تمسك الشريط كله، لأن الله يرى الصورة التي لا نستطيع نحن رؤيتها.

مريم التي تحل العقد… أمّ تقودنا إلى المسيح

في النهاية، ليست أعظم معجزة في هذا الإكرام أن تختفي مشكلاتنا، بل أن نجد المسيح داخل مشكلاتنا. وليست أسمى نعمة أن تتحول حياتنا فجأة إلى حياة خالية من الألم، بل أن نكتشف أن الله يسير معنا داخل الألم. ومريم، الأم التي أمسكت بالشريط في اللوحة، تمسك أيضًا بيد الإنسان الخائف، لا لتأخذه بعيدًا عن المسيح، بل لتضعه في حضرته. لذلك تظل دعوتها واحدة: ثقوا، صلّوا، لا تيأسوا، واذهبوا إلى الرب. لقد قالت في قانا: «مهما قال لكم فافعلوه»، وكأنها تقول لكل إنسان اليوم: لا تجعل عقد حياتك تحجب عنك وجه ابني.

صلاة:

يا مريم، يا أمنا الحنون، يا «التي تحلّ العُقَد»، نضع بين يديك كل ما أثقل قلوبنا، وكل علاقةٍ انكسرت، وكل خوفٍ أحاط بنا، وكل مرضٍ أتعبنا، وكل خطيئةٍ أعيتنا، وكل طريقٍ لم نعد نعرف كيف نسير فيه. خذي شريط حياتنا بيديك، وقدميه لابنك يسوع، وعلّمينا أن نثق برحمة الله، وأن نقبل مشيئته، وأن ننتظر عمل نعمته حتى عندما لا نرى الطريق. يا مريم، التي آمنتِ ففتح إيمانك باب الخلاص، صلّي من أجلنا، وفكّي بعون ابنك كل عقدة تمنعنا من السلام، وقودي قلوبنا دائمًا إلى يسوع. آمين.

»يا مريم، التي تحلّ العُقَد، صلّي لأجلنا، وقودي عقد حياتنا إلى يدي يسوع«.

إعداد الأب / وليم عبد المسيح سعيد – الفرنسيسكاني

001250
Users Today : 4
Users Last 7 days : 38
Users Last 30 days : 197
Users This Year : 1140
Scroll to Top