سفر اعمال الرسل 6-7
الأخت نازك خالد الدومنيكية
يبدو العنوان غريب بعض الشيء. في عالم اليوم، كيف يمكن أن نشهد للحقيقة دون عنف؟ يعتقد الكثيرون أن العنف هو الحل الأمثل للكثير من المشاكل. حسب الدراسات المعتمدة في جامعة ستوكهولم، أنفقت الحكومات ما مجموعه 2.887 تريليون دولار على السفن والطائرات والصواريخ وغيرها من الأسلحة في عام 2025. بعض الأحيان، عندما نفكر بطرق بعيدة عن العنف لحل المشاكل، نبدو أننا بعيدون عن الصورة الكبيرة للتفكير العالمي، وأننا لا نلائم السياق الذي نعيش فيه.
والأمر الأهم: لأي حقيقة نحن نشهد؟ هل نشهد لفكرة؟ أم لعقيدة؟ أم لتقليد؟ أم لشخص؟ كيف نشهد لحقيقة ونحن نعيش في عصر الـPost Truth من يقول إن هناك حقيقة؟ أليس كل شيء نسبي؟ أليس كل شيء يتغير ويتبدل بتغير الظروف؟ إذا لأي حقيقة ممكن أن أبذل نفسي؟ الشهد الأول في المسيحية، القديس استيفانوس شهد لحقيقة معينة ومات من أجلها. ولكن استيفانوس عاش قبل ألفي سن ة! وواقعه يختلف كل الاختلاف عن واقعي. ما الذي لم يتبدل بحيث يمكن أن اشهد لا بل أن أموت مثلما فعل وحصل للقديس استيفانوس؟ ما هو المطلق الذي لا يمكن أن يتغير وأنا مستعد أن أعطي الشهادة من أجله كما فعل الشهيد استيفانوس؟
الفكرة المركزية: الشهادة لا تقاس بالنجاح بل بالأمانة
الكتاب المقدس يتحدانا في هذا التفكير ويغير الاتجاه الى الطرف المعاكس. الأمر لا يتعلق بلحظة حماس يجب أن نقرر فيها فيما إذا كنا سنموت من اجل المسي ح. بل بأسلوب حياة يجعلنا مستعدين أن نعطي شهادة لما/لمن نؤمن به. (الكلمة اليونانية التي يعلمها العهد الجديد لكملة “شاهد” و”شهيد” هي واحدة وهي ترد 34 مرة في العهد الجديد (وبذلك تأخذ قصة القديسين مكانا في حياتنا ويصبح لها معنى. ومن هنا تبدأ قصة استفانوس لتكون قصتي وقصة كل من يريد أن يدخل في قافلة الله ويسوع المسيح.
أولاً: الحكمة تولد من الامتلاء
كيف تبدأ قصة استيفانوس؟ ترد قصة استيفانوس في سفر اعمال الرسل الفصل 6-7. الكاتب يتكلم ع م ا حدث بعد حلول الروح القدس وتكونت الجماعة المسيحية. إذا نحن في صدد تكوين جماعة. وأحد أعضاء هذه الجماعة هو استيفا ن. يقول النص: “في تلك الأيام كثر عدد التلاميذ”، فأخذت جماعة تتذمر على جماعة ثانية في داخل الكنيسة (أعمال 6: 1-2). فكان الحل اختيار مجموعة من الرجال لخلق الانسجام في الجماعة. شرط أن يكون هؤلاء الرجال ممتلئين من الروح القدس والحكمة. أحد هؤلاء الرجال كان استيفانوس. الأمر مثير جدا: في الوقت الذي تعيش فيه الجماعة الاضطراب والتذمر، هناك من هو ممتلئ من الروح القدس. هو ليس ممتلئ من الغضب. وفي 6: 8 يقول لوقا أن اسيفان كان ممتلئا من النعمة والقدرة فأخذ يصنع العجائب والآيات بين الشعب. استيفانوس يقُدم كبطل، فنتصور أنه رجل ناجح ومحظوظ، يتمتع بالقبول والإعجاب، حتى إننا نحسده على ما أعُطي له. ولكن، بعد ذلك يعلمنا لوقا أن هناك من لم يقب لاستيفانوس، بل رفضه بعض الرجال. هل من المعقول أن نرُفض عندما نعمل اعمال صالحة في المجتمع؟ ما هو موقفنا عندئذ؟ هل نترك ونندم على فعل الخير؟ هل نستمر بالرغم من كل شيء؟ ما الذي يجعلنا نستمر عندما نرُفض في المجتمع؟ هذا الأمر يجعلنا نرجع إلى ذواتنا لنسأل: لماذا اعمل ما اعمله؟ ومن هم الاشخاص الذين اعمل معهم؟ هل يكون الرفض مناسبة لكشف نوايا القلوب؟
اشتد الأمر على استيفانوس حتى أن شهود زور قاموا عليه. غريب جدا، إن من يعمل العجائب والآيات العظيمة في الجماعة، يلُاقى برفض شديد وعنيف. لكن مع ذلك، ردة فعل استيفانوس كانت مثيرة للاهتمام حيث يقول لوق ا: “فنظر إليه جميع الحاضرين في المجلس، فرأوا وجهه كأنه وجه ملاك”. وبدل أن ينتهز الفرصة ويدافع عن نفسه، هو يقدم خطبة عن عمل الله الخلاصي. هو لا يستغل الفرص لإثبات صدقه بل لإثبات حقيقة المسيح. من أين جاء استيفانوس بهذه القناعة الراسخة أن الجوهري في هذه المواقف هو الله وليس “الأنا”؟ إنه متحرر من أناة كليا، ومتصل عن طريق الذات العميقة بالله. هذا يذكرنا بشخص آخر مات وهو يعلن محبة الله.
يبُدع لوقا عندما يقول عن استيفانوس أنه رأى “السماء مفتوحة…”. كان استيفانوس يعي عالم السماء والأرض. عندما تكون السماء مفتوحة تصبح الأرض أجمل بكثير. هو يرى الأرض على ضوء السماء المفتوحة. هو يرى الأرض كمشروع الله الخلاصي. هو يرى الأرض ويشاهد فيها أمنيات الله لخلاص الإنسان. لذلك يطلب الغفران لمن اعتدى عليه. عندما نتخلص من الالتصاق بما هو أرضي وتنفتح عيوننا على ما هو سمائي في قلوبنا، عندها نقلق على الأرض ونتمنى أن يخلص الجميع. لذلك صلى استيفانوس من أجل الغفران.
الغفران يعني أن نستطيع أن نحدق في الجروح بدون أن تشلنا أخطاء وخطايا الآخرين.
هذا ما جعل استيفانوس يموت وهو يشبه يسوع. هو لم يركز على نفسه ولم يربح أي جدل، ولم يكن مقبولا من قبل الجميع. مات وهو يعلن حقيقة الله الجوهرية، وليس حقيقة نفسه.
ما أحوجنا اليوم إلى ثقافة الكتاب المقدس. كم من الوقت نبذله لنبدو أحسن في كلامنا وأعمالنا؟ كم من الوقت نبذله ونحن نحاول لأن نقنع الآخرين أننا على صواب، وأن ما نقوله مهم جدا؟ نحن نخاف أن يسُاء فهمنا، لأننا مقيدين بردود أفعال الآخرين. فنقل د أكثر من أن نبدع. ونعيش الغربة مع أنفسنا. لا بل نتساءل هل بشارة الإنجيل فاعلة اليوم في هذا الزمن الذي يمجد الرد القاسي، ويفحم الجميع؟ في الكثير من اللقاءات والحوارات نحن ننتهي بعمل أعداء أكثر من أن نك وِّن علاقات طيبة تبغي الإصغاء والفهم. مع الأسف أصبحنا نرى في الرد القاسي علامة القوة والإقناع.
لنقل باختصار: إعطاء الشهادة لا يتم فقط بلحظات الموت، وإنما في اسلوب الحياة الصحيح المتشبع بالأمانة لمن آمنا به. مواقف الحياة تتحدى أمانتنا كل يوم، لتجعلنا نختار كل لحظة مع من نريد أن نكون، وإلى أي قافلة نريد أن ننتمي. شهادتي تعُ رِّف الآخرين من هو يسوع.
لقاء الشبيبة في عنكاو ا الاسبوع السابع من زمن العنصرة 2026






Users Today : 3
Users Last 7 days : 34
Users Last 30 days : 256
Users This Year : 686
