الأول من تشرين الأول
تريزا الطفل يسوع: زهرة النور التي أزهرت في بستان الإيمان
في الثاني من كانون الثاني عام 1873، أبصرت النور في مدينة ألنسون بمقاطعة نورماندي الفرنسية، تريزا الطفل يسوع، زهرةٌ مقدسةٌ ستُضيء دروب الكثيرين بإيمانها البسيط وعمقها الروحي. وُلدت هذه القديسة لأبوين صالحين تقيين، هما السيدة زيلي جيران، التي امتهنت صناعة الدانتيلا، والسيد لويس جوزيف مارتان، الصائغ التقي. كلاهما كان يطمح إلى الحياة الرهبانية قبل زواجهما، إلا أن العناية الإلهية كان لها تدبيرٌ آخر؛ فزيلي لم تُقبل لدعوى أنها لا تصلح للحياة الرهبانية، ولويس لزمه تعلم اللاتينية قبل الالتحاق. وهكذا، أسلما أمرهما للعناية الإلهية، حتى جمعهما القدر في رباط الزواج المقدس. كانت أمنيتهما أن تُثمر زيجتهما ثمارًا وفيرة تُقدم لله، فاستجاب الله لدعائهما، ورزقهما تسعة أبناء، منهم ولدان وبنتان انتقلوا إلى السماء بعد أشهر قليلة من ميلادهم. كانت القديسة تريزا الابنة التاسعة والأخيرة لهذه الأسرة المباركة، وقد نالت سر العماد بعد يومين فقط من ميلادها.
اليُتم والمرض: بصمات الألم على روح طاهرة
عندما بلغت القديسة تريزا الرابعة والنصف من عمرها، غيَّبت المنية والدتها إثر صراع مع مرض السرطان. كان لرحيل الأم أثرٌ بالغٌ على قلب الطفلة تريزا، التي وجدت عزاءها في صحبة والدها إلى التنزه وحضور الكنيسة. في الثامنة والنصف من عمرها، التحقت بمدرسة البنديكتين، حيث كانت أصغر التلميذات سنًا، مما عرضها لمضايقات ومشاكسات من زميلاتها. تحملت ذلك بصمت، تبكي سرًا دون أن تبوح لأحد بآلامها الصغيرة.
في عامها العاشر، أصيبت القديسة تريزا بمرض شديد كاد أن يودي بحياتها، وبدأ اليأس يتسلل إلى قلوب عائلتها. لكن العذراء مريم لم تتركها؛ ففي الثالث عشر من مايو عام 1883، استجابت لصلاة عائلتها وظهرت لها، فأبرأتها من مرضها، لتُعيد البهجة إلى تلك الروح المعذبة.
الحب الحقيقي والتكريس الأول: رحلة قلب يبحث عن الله
كرست تريزا معظم أوقاتها للقراءة، وأدركت مبكرًا أن “الحب الحقيقي الدائم ليس بالقيام بالأعمال البطولية، بل أن يتوارى المرء عن أعين الغير وعن نفسه بحيث تجهل يده اليسرى ما تفعله اليمنى.” هذه البصيرة العميقة كانت نواة فلسفتها الروحية المعروفة بـ”الطريق الصغير”.
في الثامن من أيار عام 1884، تحقق الحلم الذي راودها لسنوات، إذ تقدمت إلى المناولة الأولى، بعد أن استعدت لها لمدة ثلاثة أشهر كاملة. وعند تلقيها القربان المقدس، بكت كثيرًا، لإحساسها بحلول جميع النعم السماوية في قلبها البشري بفضل ذلك السر الإلهي العجيب.
لقاء الطفل يسوع: بداية مسيرة “الطفل يسوع”
في ليلة عيد الميلاد عام 1886، وهي في الرابعة عشرة من عمرها، رأت الطفل يسوع وهو يبتسم لها. كانت هذه اللحظة نقطة تحول حاسمة في حياتها، دفعتها إلى حب يسوع الطفل ومحاولة التشبه به في براءته وتواضعه، ولهذا السبب عُرفت لاحقًا بـ”تريزا الطفل يسوع”.
في التاسع والعشرين من أيار عام 1887، انطلق شغفها لتلبية دعوة الله، فطلبت من والدها دخول الرهبنة. بعد معارضة أولية من والدها، وافق على الفور، لكنها واجهت معارضة أخرى من بعض أفراد أسرتها، وكاهن القرية، وحتى أسقف المقاطعة ورئيسة الدير نفسها، وذلك لصغر سنها. لم يثنها ذلك عن عزمها، فذهبت مع والدها إلى روما لمقابلة الحبر الأعظم، قداسة البابا لاون الثالث عشر، لتنال موافقته على دخول الرهبنة وهي في الخامسة عشرة. وبعد حديث طفولي بريء، قال لها البابا كلمات بقيت محفورة في قلبها: “ستدخلين إذا كانت هذه إرادة الله.”
درب الصليب: الرهبنة والتحديات
في التاسع من نيسان عام 1888، انضمت الفتاة ذات الخمسة عشرة عامًا إلى رهبنة الكرمل، لتبدأ مسيرتها في درب الصليب، متحملةً كل الآلام والتجارب. وكما قالت هي نفسها: “مدّ لي العذاب ذراعيه منذ دخولي فعانقته بحب.” هذه الكلمات تعكس قوة إيمانها وقدرتها على تحويل الألم إلى محبة وتضحية.
في العاشر من كانون الثاني عام 1889، احتُفل بارتداء القديسة تريزا للثوب الرهباني. وفي تلك المناسبة، تساقط الثلج بغزارة، وهو ما اعتبرته “عروس العذارى” إعلانًا من السماء عن بهجتها.
خدمة خفية ورحيل مبكر: زهرة تذبل لكن عطرها يبقى
بجهد مضنٍ، كانت تريزا تبحث عن أي فرصة لتقديم الخدمات الخفية للراهبات، مُجسدةً مبدأها في التواضع والعمل بصمت. وفي الثامن من أيلول عام 1890، احتُفل بتقديم نذورها الرهبانية النهائية.
بعد فترة قصيرة، أصيبت بالسعال والنزيف الدموي، لكنها كتمت أمر مرضها مستسلمةً لمشيئة الله. غير أن الرئيسة لاحظت مرضها، واستُدعي الطبيب الذي قرر أن المرض قد استفحل وأن النهاية قريبة. أخيرًا، نالت القديسة تريزا مسحة المرضى وتناولت القربان الأقدس في التاسع عشر من أغسطس عام 1897. تحملت تلك الآلام المريرة، خاصة في الشهور الأخيرة من حياتها، وعلى محياها ابتسامة دائمة، حتى انتقلت هذه الزهرة الصغيرة إلى جوار ربها في الثلاثين من سبتمبر عام 1897.
الإعلان عن قداستها ومعلمة الكنيسة: إرث روحي خالد
في التاسع والعشرين من نيسان عام 1923، أعلن قداسة البابا بيوس الحادي عشر تطويب القديسة تريزا، مُعترفًا بقداسة حياتها. وفي التاسع عشر من تشرين الأول عام 1997، أعلن قداسة البابا يوحنا بولس الثاني أن القديسة تريزا الطفل يسوع هي معلّمة في الكنيسة الجامعة، نظرًا لما تحمله كلماتها وحياتها من عمق روحي وتعليم عن حب الله الذي يُمكن أن يُعاش في أبسط تفاصيل الحياة اليومية. فلتكن صلاتها معنا، تضيء دروبنا وتهدينا إلى محبة الله وقربانه صلاة الوردة الصغيرة: طريق الثقة والتسليم إلى الله.
إعداد الأب / وليم عبد المسيح سعيد – الفرنسيسكاني






Users Today : 1
Users Last 7 days : 18
Users Last 30 days : 118
Users This Year : 187
