15 تموز
إعداد الأب / وليم عبد المسيح سعيد – الفرنسيسكاني
القديسة يوليطي والقديس الطفل قرياقوس
أمٌّ قدَّمت ابنها للمسيح… وطفلٌ صار أصغر شهيدٍ نطق باسم يسوع
تسطع في تاريخ الكنيسة صفحاتٌ كتبتها دموع الأمهات قبل أن تكتبها أقلام المؤرخين، صفحاتٌ امتزج فيها الحب بالإيمان، والأمومة بالشهادة، حتى غدت مناراتٍ تهدي الأجيال إلى معنى الثبات الحقيقي. ومن أبهى هذه الصفحات قصة القديسة يوليطي وابنها القديس الطفل قرياقوس، تلك الأم التي لم تسمح للخوف أن ينتزع المسيح من قلبها، وذلك الطفل الذي لم يتجاوز الثالثة من عمره، لكنه سبق كثيرين إلى إكليل المجد، فصار شاهدًا حيًا على أن نعمة الله لا تُقاس بالعمر، بل بامتلاء القلب بالإيمان.
إنها ليست قصة استشهاد أم وطفل فحسب، بل قصة انتصار النعمة على الخوف، والمحبة على العنف، والحياة الأبدية على الموت.
أميرةٌ نبيلة كرّست حياتها للمسيح
وُلدت القديسة يوليطي في مدينة أيقونية، عاصمة إقليم ليكاؤنية في آسيا الصغرى (تركيا الحالية)، في أسرة نبيلة ذات مكانة رفيعة. وقد اشتهرت بجمالها، وغناها، ونقاوة سيرتها، إلا أن أعظم ما زيّن حياتها لم يكن نسبها الرفيع، بل محبتها العميقة لله، وعطفها على الفقراء والمحتاجين، وسخاؤها في أعمال الرحمة.
تزوجت رجلًا مسيحيًا تقيًا، ورُزقا بطفلٍ أسمياه قرياقوس، وهو اسم يوناني يعني «المنتمي إلى الرب» أو «الخاص بالرب» (Kyriakos)، وليس مشتقًا من اسم غريغوريوس كما يرد أحيانًا في بعض الروايات. ولم تدم سعادتها طويلًا، إذ انتقل زوجها إلى بيت الآب وهو لا يزال في مقتبل العمر، فوجدت نفسها أرملة شابة تحمل وحدها مسؤولية تربية ابنها الوحيد على الإيمان بالمسيح.
الهروب من الاضطهاد… حفاظًا على إيمان الطفل
في مطلع القرن الرابع، اشتد الاضطهاد الذي أثاره الإمبراطور دقلديانوس ضد المسيحيين، وامتدت موجات العنف إلى مدن آسيا الصغرى.
ولم يكن همّ يوليطي الأول إنقاذ حياتها، بل الحفاظ على إيمان ابنها الصغير، إذ كانت تخشى إن استشهدت أن يقع الطفل في أيدي الوثنيين، فينشأ بعيدًا عن المسيح.
لهذا حملت قرياقوس، الذي لم يكن قد تجاوز الثالثة من عمره، واصطحبت معها خادمتين، وغادرت أيقونية متجهة إلى سلوقية في سوريا، راجية أن تجد مكانًا أكثر أمنًا.
لكنها فوجئت بأن الاضطهاد هناك كان أشد قسوة، فواصلت رحلتها حتى بلغت طرسوس، عاصمة إقليم كيليكية، دون أن تدري أن الله كان يقود خطواتها إلى الموضع الذي ستنال فيه إكليل الشهادة.
القبض عليها في طرسوس
ما إن وصلت يوليطي إلى طرسوس حتى تزامن دخولها مع وصول الوالي الروماني ألكسندر، الذي كان معروفًا بقسوته الشديدة في اضطهاد المسيحيين.
وسرعان ما كُشف أمرها، فأُلقي القبض عليها مع طفلها، بينما تمكنت الخادمتان من الهرب، وظلتا تراقبان ما يحدث عن بُعد، وقد امتلأ قلباهما بالحزن والصلاة.
وفي تلك اللحظة، أدركت يوليطي أن الله قد استجاب صلاتها بطريقة لم تكن تتوقعها؛ فلم يعد عليها أن تهرب، لأن الساعة التي أعدها الرب لها قد جاءت، ومن سلّم حياته لله، لا يعود يخشى المستقبل.
محاكمةٌ أضاءها الإيمان
اقتيدت يوليطي إلى قاعة المحكمة وهي تمسك بيد صغيرها.
وقف الوالي مدهوشًا أمام جمالها وهيبتها، وتعجب من هدوئها العجيب رغم المصير الذي ينتظرها.
وسألها: «ما اسمك؟ ومن أين جئت؟»
فأجابته بثبات: «أنا مسيحية».
حاول الوالي أن يغريها بالحياة، فقال:
»أما تعلمين أن الإمبراطور أمر بقتل جميع المسيحيين؟«
فقالت في سلام: «أعلم ذلك. «
فسألها باستغراب: «إذن كيف تعترفين بإيمانك دون خوف؟»
فأجابته بكلمات أصبحت شهادة خالدة:
»إن جميع المسيحيين مستعدون للعذاب والموت من أجل ربهم يسوع المسيح، واعلم أن اضطهادكم لا يُضعف الكنيسة، بل يزيدها قوة، ويجعل عدد المؤمنين يتضاعف.«
فقال لها: «أما تخافين الموت؟«
فأجابته: «الموت بالنسبة إلينا ليس نهاية الحياة، بل بداية الحياة الحقيقية مع المسيح»
فلم يجد الوالي أمام هذا الإيمان إلا أن يصدر أمره بتعذيبها.
الطفل الذي أعلن إيمانه
انتزع الجنود الطفل قرياقوس من بين ذراعي أمه، رغم بكائه وتعلقه بها.
وحاول الوالي أن يستميله، فأجلسه على ركبتيه، وأخذ يلاطفه، لكن الطفل لم ينظر إليه، بل ظل يثبت عينيه على أمه وهي تتعرض للعذاب.
وكانت يوليطي، كلما اشتد الألم، تردد بصوت ثابت: «أنا مسيحية… أنا مسيحية.»
وهنا حدث ما أذهل الجميع.
فقد رفع الطفل صوته الصغير هاتفًا: «وأنا أيضًا مسيحي!«
في تلك اللحظة لم يعد المتكلم طفلًا في الثالثة من عمره، بل صار شاهدًا للمسيح بقوة الروح القدس، معلنًا إيمانه ببراءة تفوقت على حكمة الكبار.
أصغر شهيدٍ في تاريخ الكنيسة
اشتعل غضب الوالي عندما سمع كلمات الطفل.
وحاول مرة أخرى أن يحتفظ به بعيدًا عن أمه، لكن قرياقوس أخذ يقاوم بكل ما أوتي من قوة، بل خدش وجه الوالي بأظافره وهو يحاول الإفلات منه.
فاستشاط ألكسندر غضبًا، وأمسك الطفل من إحدى قدميه، وقذفه بعنف على درجات السلم الحجري.
تهشم رأس الصغير، وفاضت روحه في الحال.
وهكذا نال قرياقوس إكليل الشهادة، وهو لا يزال طفلًا لم يعرف من الدنيا سوى حضن أمه، لكنه عرف المسيح معرفةً جعلته يفضله على الحياة نفسها.
ولم تنظر يوليطي إلى ابنها بعين اليأس، بل رفعت قلبها إلى الله شاكرةً، لأنها رأت أن ابنها سبقها إلى الفردوس، ونال الإكليل قبلها.
الأم التي ودّعت ابنها بالتسبيح
أثار موقف يوليطي دهشة الوالي وغضبه معًا.
فبدلًا من أن تنهار أمام موت طفلها الوحيد، ازداد إيمانها قوة، وامتلأت شفتاها بالتسبيح.
فأمر بتشديد العذاب عليها، حتى تمزق جسدها، ثم أصدر الحكم الأخير بقطع رأسها.
وقبل تنفيذ الحكم، ربط الجلادون حبلًا حول عنقها، وحاولوا إسكاتها حتى لا تواصل الاعتراف بالمسيح.
لكن القلب الذي امتلأ بالله لا يستطيع أحد أن يُسكته.
صلاةٌ قبل المجد
عندما وصلت إلى موضع الاستشهاد، طلبت من الجلادين أن يمهلوها لحظات.
فركعت على الأرض، ورفعت قلبها إلى السماء قائلة:
»أشكرك يا ربي وإلهي، لأنك دعوت ابني الحبيب قرياقوس قبلي، وجعلته مع ملائكتك وقديسيك في فردوس النعيم. والآن، يا مخلصي الصالح، اقبل روح أمتك يوليطي، واجعلني مع العذارى الحكيمات في مساكنك السماوية، حتى أسبحك مع الآب والروح القدس إلى أبد الآبدين. آمين.»
ثم رسمت علامة الصليب على ذاتها، وقدمت عنقها للجلادين بكل هدوء.
فهوى السيف، وانتقلت إلى المجد، حوالي سنة 304م، في ذروة اضطهاد الإمبراطور دقلديانوس.
وأُلقي جسدا الأم وطفلها خارج المدينة، لكن المؤمنين جمعوهما فيما بعد، وأكرموهما ككنزين ثمينين، لأن الأرض التي تحتضن أجساد الشهداء تتحول إلى مذبحٍ يفيض بالنعمة.
مجدٌ لا يزول
انتشر إكرام القديسة يوليطي والقديس الطفل قرياقوس سريعًا في الشرق والغرب، وأقيمت على اسميهما كنائس عديدة، وصارت سيرتهما مصدر تعزية لكل أم مسيحية، ولكل مؤمن يواجه التجارب والاضطهاد.
وتكرمهما الكنيسة منذ القرون الأولى، باعتبارهما من شهداء العصر الذهبي للاستشهاد، إذ استحقا المجد في زمن الكنيسة الواحدة، قبل الانقسام بين الشرق والغرب، ولذلك تكرمهما الكنيسة الكاثوليكية والكنائس الأرثوذكسية معًا.
لقد أثبتت يوليطي أن الأمومة تبلغ كمالها حين تقود أبناءها إلى المسيح، وأثبت قرياقوس أن القداسة لا ترتبط بطول العمر، بل بعظمة الإيمان.
وهكذا بقيت شهادتهما حيّة عبر القرون، تردد لكل جيل أن المحبة أقوى من العنف، وأن من يعترف بالمسيح على الأرض، يعترف به المسيح أمام أبيه السماوي.
صلاة:
أيها الإله القدير، يا من منحت القديسة يوليطي شجاعة الاعتراف باسمك، وزيّنت قلب الطفل قرياقوس بنعمة الشهادة، نسألك بشفاعتهما أن تهبنا إيمانًا ثابتًا لا تزعزعه التجارب، ورجاءً لا ينطفئ أمام آلام الحياة.
بارك الأمهات والآباء، واجعلهم يقودون أبناءهم إلى معرفة المسيح ومحبته، وامنح الأطفال قلوبًا نقية، تنمو في النعمة والحكمة، وتكون شاهدةً لك منذ نعومة أظفارها.
واجعلنا، إذا دُعينا يومًا إلى حمل الصليب، نسير وراءك بثقة وفرح، عالمين أن من يثبت معك على الأرض، ينال معك إكليل المجد في السماء. لك المجد مع الآب والروح القدس، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. آمين.






Users Today : 51
Users Last 7 days : 79
Users Last 30 days : 303
Users This Year : 737
